العيني
144
عمدة القاري
يستدعي الحلف ، ولفظ اليد من المتشابهات ، ففي مثل هذا افترق العلماء على فرقتين : إحداهما : ما تسمى مفوضة : وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى قائلين : * ( وما يعلم تأويله إلا الله ) * ( آل عمران : 7 ) والأخرى : تسمى مؤولة ، وهم الذين يؤولون مثل هذا ، كما يقال : المراد من اليد القدرة ، عاطفين * ( والراسخون في العلم ) * ( آل عمران : 7 ) على : الله والأول أسلم ، والثاني أحكم . قلت : ذكر أبو حنيفة أن تأويل اليد بالقدرة ، ونحو ذلك يؤدي إلى التعطيل ، فإن الله تعالى أثبت لنفسه يداً ، فإذا أولت بالقدرة يصير عين التعطيل ، وإنما الذي ينبغي في مثل هذا أن نؤمن بما ذكره الله من ذلك على ما أراده ، ولا نشتغل بتأويله ، فنقول : له يد على ما أراده لا كيد المخلوقين ، وكذلك في نظائر ذلك . قوله : ( لا يؤمن ) أي : إيماناً كاملاً ، ويقال المراد من الحديث : بذل النفس دونه صلى الله عليه وسلم ، وقيل : في قوله تعالى : * ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) * ( الأنفال : 64 ) أي : وحسبك من اتبعك من المؤمنين ، ببذل أنفسهم دونك . وقال ابن بطال : قال أبو الزناد : هذا من جوامع الكلم الذي أوتيه ، عليه الصلاة والسلام ، إذ أقسام المحبة ثلاثة : محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد ، ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد ، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضاً ، فجمع عليه السلام ، ذلك كله . قال القاضي : ومن محبته : نصرة سنته ، والذب عن شريعته ، وتمني حضور حياته ، فيبذل نفسه وماله دونه ، وبهذا يتبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلاَّ به ، ولا يصح الإيمان إلاَّ بتحقيق إنافة قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومتفضل ، ومن لم يعتقد ذلك واعتقد سواه فليس بمؤمن ، واعترضه الإمام أبو العباس أحمد القرطبي المالكي ، صاحب ( المفهم ) فقال : ظاهر كلام القاضي عياض صرف المحبة إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله ، ولا شك في كفر من لا يعتقد ذلك ، غير أنه ليس المراد بهذا الحديث اعتقاد الأعظمية إذ اعتقاد الأعظمية ليس بمحبة ولا مستلزماً لها ، إذ قد يحمد الإنسان إعظام شيء مع خلوه عن محبته ، قال : فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك لم يكمل إيمانه على أن كل من آمن إيماناً صحيحاً لا يخلو من تلك المحبة ، وقد قال عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، وأن عمر رضي الله عنه ، لما سمع هذا الحديث ، قال : يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلاَّ من نفسي ، فقال : ومن نفسك يا عمر ، فقال : ومن نفسي . فقال : الآن يا عمر . وهذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل قلب ، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك ، قال الله تعالى : * ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) * ( المائدة : 54 ) ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم ، من هذا المعنى أتم ، لأن المحبة ثمرة المعرفة ، وهم بقدره ومنزلته أعلم ، والله أعلم . ويقال : المحبة إما اعتقاد النفع ، أو ميل يتبع ذلك ، أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع ، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة ، ولما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال ، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار عنه ، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن ، وكمال أنواع الفضائل ، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم ، ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيهما ، فيجب كونه أحب منهما ، لأن المحبة ثابتة لذلك ، حاصلة بحسبها ، كاملة بكمالها . وأعلم أن محبة الرسول عليه السلام ، إرادة فعل طاعته وترك مخالفته ، وهي من واجبات الإسلام قال الله تعالى : * ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ) * إلى قوله : * ( حتى يأتي الله بأمره ) * ( التوبة : 24 ) وقال النووي : فيه تلميح إلى قضية النفس الأمَّارة بالسوء والمطمئنة ، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حب النبي عليه السلام ، راجحاً ، ومن رجح جانب الإمارة ، كان حكمه بالعكس . ( بيان الأسئلة والأجوبة ) . منها : ما قيل : لِمَ ما ذكر نفس الرجل أيضاً وإنما يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه قال تعالى : * ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) * ( الأحزاب : 33 ) وأجيب : بأنه إنما خصص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالباً ، وربما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل ، فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل ، فكأنه قال : حتى أكون أحب إليه من أعزته ، ويعلم منه حكم غير الأعزة ، لأنه يلزم في غيرهم بالطريق الأولى ، أو اكتفى بما ذكر في سائر النصوص الدالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضاً ، كالرواية التي بعده . ومنها ما قيل : هل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى ؟ وأجيب : بأن الوالد إما أن يراد به ذات له ولد ، وإما أن يكون بمعنى ذو ولد نحو لابن وتامر ، فيتناولهما ، وإما أن يكتفى بأحدهما عن الآخر كما يكتفى بأحد الضدين عن الآخر . قال تعالى : * ( سرابيل تقيكم الحر ) * ( النحل : 81 ) وإما